Jul 26, 2023

"العمل الجماعي في مجال الرسوم المتحركة: رحلة صناعة فيلم "مشاكل الطوطم الأولى

"أنا طلعت في التليفزيون! شفتني؟ كنت هايل!" بالضبط مثل رد فعل "مارد وشوشني" لم أتمكن من السيطرة على حماسي حين رأيت ما أثمر عنه عملنا الدؤوب.

كانت رحلتنا شديدة التميز، بدءًا من العمل المباشر مع منتجي ومخرجي شركتي ديزني وتريجرفِش، وصولًا إلى الخبرة التي اكتسبناها والدروس التي استفدناها، وإن اشتملت الرحلة على تحديات أحيانًا، لكننا واجهناها بالشغف والإصرار. فقد تعاونت جميع الإدارات والفرق والأفراد معًا وأبدعت في إنتاج فيلم مشكلات الطوطم القصير، أحد أفلام المجموعة الإفريقية التي حملت عنوان كيزازي موتو.

يحدثنا أحمد عرفة، المخرج الفني للفيلم، عن هذه التجربة الثرية، قائلًا: “إن التخطيط الدقيق لكل صغيرة وكبيرة هو ما جعلها تجربة ناجحة ومميزة؛ فقد سهل علينا فريق الإنتاج كل شيء بفضل خططه الزمنية المنضبطة وقوائم المهام اليومية المحكمة، سمح لي هذا بالتركيز على الأمر الأهم: تصور الشكل النهائي للعمل".

عندما اختير أحمد مخرجًا فنيًا للفيلم، أدرك سريعًا أنه ليس بصدد مهمة سهلة، وأن عليه الاندماج في تلك البيئة الإبداعية الجديدة ومواكبة تطلعات ديزني العالية. وسعَّت طريقة عمل ديزني الدقيقة مداركنا على أساليب مختلفة ورؤى جديدة تمكنا بفضلها من الوصول إلى النتيجة النهائية المنشودة.

يضيف أحمد: "أدهشني ما أتيح لنا من حرية إبداعية؛ فقد توقعت أن تنفيذ فيلم يعرض على شبكة ديزني+ لن يمر دون رقابة وتحكم دائمين، لكن -في الواقع- كانت مهمة ديزني وتريجرفِش هي المساعدة، وإبداء الرأي والنصح. كانوا يصغون إلى ما نعرضه عليهم لضمان خروج عمل أصيل، بأقل قدر من التدخل".

وبصفته مخرجًا فنيًا للفيلم، كان على أحمد الاهتمام بكل ما هو بصري فيه، بدءًا من الألوان وأنماطها، وانتهاءً بأجواء الفيلم وانسيابيته. كما كان عليه إظهار ثقافة جنوب إفريقيا مع تجنب أي قولبة معتادة؛ من أجل صناعة شيء أصيل ومتفرد.

"كنا بحاجة إلى عرض عادات وأفكار ثقافية أصيلة دون الوقوع في فخ التصريح بها؛ وهكذا تمكنا من إنتاج تصميمات لها روح إفريقية وفي الوقت نفسه بدت جديدة ومستقبلية".

فن التصور

يهتم الجمهور بالمنتج الفني النهائي، أمَّا نحن المنتجون والمخرجون وفنانو التحريك، فنستمتع بمعرفة كواليس العمل، ورؤية مراحله تتشابك معًا لتشكل المنتج الفني النهائي.

"لم يكن أمتع ما في هذه الرحلة إنهاء الفيلم، بل مشاهدة اللقطات التركيبية الأولية، ودمج الخلفيات، وتحريك الشخصيات، وإضافة التأثيرات، ولحظة إدراك أننا بصدد إنتاج شيء جميل".

لكن لصناعة عمل بهذا الجمال، توجب علينا التأكد من إلمام كل فرد بمعايير التصميم وقدرته على الوصول إلى أقصى إبداع فني ممكن؛ فأحد أهم خطوات صناعة فيلم ممتع هو عرض القصة بتسلسل ينقل المشاهد بخفة وسلاسة بين أحداثها وتفاصيلها. أردنا أن تكون تجربة مشاهدة الفيلم مثل ركوب قطار الملاهي: مغامرة مليئة بالحماس والمتعة، تتخللها دفقات من الأدرينالين!

يحكي لنا عمرو شعلان، أحد رسامي مشاهد الفيلم (Storyboard Artist) عن تجربته، قائلًا: “عندما عرضت على تشبو أول رسومات المشاهد، كنت أتوق إلى سماع رأيها في المزحة الخفيفة التي أضفتها إلى أحد المشاهد رغم عدم ذكرها في سيناريو الفيلم، وكنت أتساءل ما إذا كانت ستعجبها إضافتي. فاجئتني بأنها لم تعجبها فقط، بل اعتمدت عليها لزيادة الجانب المرح لهذه الشخصية".

وبعدما قطعنا شوطًا في رسم مشاهد الفيلم، واجهنا تحديًا كبيرًا: ضرورة تقليص مدة عرض الفيلم. ظاهريًا، قد يبدو الفيلم الأقصر أسهل في التنفيذ، لكن الأمر يتطلب في الواقع تخليًا عن مزيد من العناصر التي صنعناها بحب.

“اضطررنا إلى حذف مشاهد وتتابعات، وحاولنا إعادة ترتيب الحوار لحكي نفس القصة بكلمات أقل".

بعبارة أخرى، جعلنا تتابع المشاهد مثل كوب إسبرسو: صغير وقوي المفعول! ولحسن الحظ ساعدتنا رسامة المشاهد الأوكرانية صوفيا زورسكا برؤيتها ومهاراتها في تحقيق ما نريد؛ صوفيا مثل اللاعب المحترف، يندمج بسهولة في أي فريق.

تتحدث صوفيا عن تجربتها في العمل مع الفريق قائلة: "أفضل ما في هذه التجربة هو التواصل مع الفريق؛ فالعمل عن بعد يشعرك بالاغتراب عن تجربة الاستوديو، إذ لا تشارك زملائك الوقت في مكان العمل، ولا تبني العلاقات معهم، ولا تخرج معهم بعد الدوام. لكن يمكنني القول إن چيرافيكس خلصتني من هذه اللعنة!".

أثرت الحرب الأوكرانية الروسية على مسار إنتاج الفيلم، وعلقت جميع الأنشطة. واجه فريق العمل تحديًا لمواصلة سير العمل، أما صوفيا فواجهت تحديًا أصعب؛ اضطرت صوفيا إلى الرحيل عن وطنها خلال مرحلة الإنتاج. رغم ذلك، أظهرت صوفيا التزامًا منقطع النظير وإصرارًا باهرًا ومهارة لافتة خلال عملها مع عمرو.

“شغلني العمل عن أهوال الحرب.. فوجودهم [أعضاء فريق چيرافيكس] معي وإنصاتهم ودعمهم لي ساعدني في حفظ تماسكي النفسي بحيث أمكنني إنهاء العمل. سأظل ممتنة على الدوام لفريق العمل، فأنا مؤمنة أن الشدائد تصنع روابطًا مميزة".

وبعد أن وضعنا الأسس لمسار القصة وحبكتها، جاء وقت التركيز على أبطال الفيلم. هنا، واجهنا تحديًا كبيرًا آخر: كيف نصور أفعال الشخصيات وتعبيراتها ودوافعها بما يناسب ثقافتها؟ نحن الجيل الجديد، أبناء العولمة ومواقع التواصل الاجتماعي، ندرك مشكلات الهوية وتعريف الذات، لذا أردنا تحدي ذلك بإنتاج شئ مؤثر يمس الجميع.

وتحدثنا منة حمدي، مساعدة المخرجة، عن هذا التحدي، قائلة: "فكرنا في طريقة تمكن فناني التحريك من عرض شخصيات حقيقية ومقنعة، وفي هذه المرحلة أسدى إلينا سيدني كومبو نصيحته القيمة: علينا استلهام الشخصيات من أشخاص حقيقيين نعرفهم، أو تأدية مشاهدهم بأنفسنا قدر المستطاع، أو إيجاد ممثلين يمثلون تلك الشخصيات".


تعبيرات ميمي

وهنا شرعنا -بمساعدة تشبو- في إعداد مكتبة للمشاعر والانفعالات والصراعات والحركات بناء على الواقع وعلى أمثلة حقيقية ملهمة.

وتضيف منة: "استغرقت مرحلة خلق كل شخصية نقاشات ممتدة وقرارات تفصيلية. وبعد تصميم الشخصيات، وجدنا أنفسنا أمام أفراد لا يشبهون الشخصيات المنشودة فحسب، بل يحملون سماتهم أيضًا بشكل متقن للغاية".

وبعدما تشربنا مئات الأمثلة المرجعية، بدأنا تصميم وضعيات الشخصيات المختلفة، وبذل المصممون وفنانو التحريك كل جهدهم لنقل رؤيتنا وتجسيدها في سياق القصة.

يمدنا المنتج يامن زكريا بمزيد من التفاصيل عن ذلك، إذ يقول: "احتاجت شخصياتنا إلى كم كبير من المراجع التمثيلية التي أمدتنا بها منة وتشبو، خاصة مع التصميم المعقد والرائع الذي كانت عليه. واحتاجت هذه العملية إلى عدد كبير من التجارب التي أجراها مخرج التحريك الرائع، برونو برازيل".

عمل برونو على توظيف فريق من فناني التحريك الموهوبين والقادرين على نقل رؤيته إلى الواقع، ويصف ذلك قائلًا: "بمساعدة تشبو، تمكنت من توجيه الفريق للوصول إلى نمط تحريك إفريقي أصيل يستوفي معايير شركة ديزني".

لكن هذا عمل قد يتطلب تغييرات مفاجئة، وتطويرات جديدة، وتعديلات دقيقة للتأكد من ملائمة كل شئ لرؤيتنا.

وعلى ذكر الشخصيات، يحدثنا عبد الله معتصم، قائد فريق تصميم الشخصيات (Lead Character Designer) قائلًا: "قررت في اللحظة الأخيرة إضافة تعديلات من وجهة نظري على جميع تصميمات الشخصيات وطلبت عرض تعديلاتي على فريق الإخراج. وقد ذهلت حين قابل الجميع الأمر بالترحاب! ولا أعني تعديلي للوضعيات فحسب، بل اتخاذي تلك المبادرة نفسها".

وبصفته قائدًا لفريق تصميم الشخصيات، أخذ معتصم على عاتقه مسؤولية -ومخاطرة- التوصل إلى نسخ أفضل، بحيث تأتي موافقة تمامًا لروح الفيلم. كما عمل معتصم على إتاحة مساحة إبداع لفريقه مكنتهم من صنع شئ يفخرون به.

“فجأة، تحولت مهمتي من مجرد الرسم إلى إدارة فريق وتحفيزه، ووضع المعايير والتأكد من اتباعها، وشرح رؤيتي بوضوح وفعالية، ومتابعة الإطار الزمني ومواعيد التسليم، إلى جانب مهام أخرى كثيرة كان علي تنفيذها بصفتي قائدًا للفريق". 

ورغم ن المسؤوليات، حصل معتصم وفريقه على دعم قوي من فريق الإنتاج سهل عليهم المهمة وأرشدهم وساعدهم حتى النهاية. ومع هذه التغيرات والتركيز الشديد على تفاصيل الشخصيات، اجتهدنا لضمان الاتساق بين جميع الجوانب، وقمنا بتجربة عدة أساليب قبل التوصل إلى الأسلوب الأفضل الذي حفظ للرسوم إحكامها وتناسقها.

تقول آية قنديل، مسؤولة التحريك المقتطع (cut-out animation): "أحببنا تصميمات الشخصيات، لكنها كانت على جمالها شديدة التفصيل. جربنا عدة أساليب قبل أن نصل للأسلوب المفضل، الذي يحفظ للرسومات تناسقها، ويظل ذا صلة بالشخصيات الرئيسية التي نفذت بالتحريك التقليدي".

لكن تحديد أنسب أسلوب للتحريك لم يكن مهمة فرد واحد. وقد كان فريق الإنتاج مستعدًا على الدوام للتعامل مع أي موقف أو تحدٍ، عبر التواصل المستمر، وإسناد المهام، واستخدام أدوات المتابعة، أو حتى التواجد لدعم الفريق نفسيًا.

وعن ذلك، يقول يامن: "لقد جمعت فريق إنتاج رائع، كان معي مريم خضر وشريف السيد وستيفاني دياس، وكنا جميعًا فرسان هذا العمل؛ عملنا على توفير بيئة عمل تمكن الفنانين من الانغماس كلية في العملية الإبداعية دون تشتت بسبب ميزانية أو مواعيد تسليم أو تفاصيل تقنية".

شخصيات فيلم "مشاكل الطوطم الأولى"

وضع العمل مع شركة بحجم ديزني عددًا من التحديات أمام فريق الإنتاج وجب عليهم مواجهتها خلال العملية الإنتاجية، بدءًا من التطوير البصري وتنفيذ التحريك إلى مشكلات الفنانين الشخصية وإرهاقهم. فكان على أعضاء فريق الإنتاج العمل كطبول حرب تضخ الحماس في قلوب الفريق وتشجعه على الدوام.

“تضمن العمل التأسيسي إنشاء أنظمة جديدة، مع اعتمادنا وتطويرنا آليات العمل المتبعة في چيرافيكس؛ فبالأخير، كل هذه العوامل مجتمعة تشكل آلة مصقولة ومتقنة، أتاحت لفنانينا إطلاق العنان لإبداعاتهم".

وهذا ما حققناه بالفعل، أبدعنا.

بعض أعضاء فريق عمل مشاكل الطوطم الأولى بمكتب چيرافيكس

حين اجتمعنا كلنا في الاستوديو أمام الشاشة نشاهد ما أنجزنا، امتلأنا فخرًا وسعادة بما نجحنا في إنجازه.

يحدثنا عبد الرحمن خضر، المدير التنفيذي لاستوديو چيرافيكس ومنتجه المنفذ، عن هذه اللحظة، قائلًا: "كنا فخورين بشدة أن كنا أول استوديو في الشرق الأوسط يتعاون مع شركة ديزني. سافرنا في عام 2019 إلى مهرجان أنسي للأفلام سعيًا للحصول على تمويل لإنتاج فيلم الليلة الكبيرة، وهناك التقينا بستيوارت فورست، المدير التنفيذي لشركة تريجرفِش. واتضح لنا في هذه اللحظة أننا نتشارك الرؤية والشغف".

وبالطبع، كان العمل مع شركتين بحجم ديزني وتريجرفِش تجربة فارقة في حياة كل فرد في چيرافيكس؛ فتاريخهما الغني وخبراتهما في مجال الرسوم المتحركة عرفنا بممارسات رائعة وأفكار فعالة ساعدتنا في التركيز على تطوير الشخصيات، وكتابة قصص مبهرة، ومد روابط عاطفية بيننا وبين مشاهدينا.

وأضاف عبد الرحمن: "كانت شراكتنا وتعاوننا مع شركة تريجرفِش تجربة ملهمة لأي استوديو في إفريقيا؛ فثقتهم بالاستوديوهات الإفريقية، ورغبتهم القوية في دعم مواهب القارة مصدر إلهام للجميع، وهذا ما تسعى مجموعة كيزازي موتو لتأصيله، وما أظهرت الشركة التزامها به، وبوعودها وقيمها".

وبعد هذه الرحلة المليئة بالاستكشاف والشغف والفن، نفتخر بأننا تعلمنا وعملنا وحققنا ما نفخر به. ونحن نؤمن بما نفعل، وفعاليته وتأثيره في كل من يشاهده. وما زلنا مستمرون في طريقنا، مستحضرين نصيحة فريق ديزني لنا في بداية العمل.

"نعم، توجد مواعيد للتسليم، وميزانيات مالية تحكمنا؛ لكن كل ذلك تدفعه رغبتنا في إمتاع المشاهدين، وهو ما لن نحققه دون أن نكون مستمتعين برحلة تنفيذ العمل، دون ضغوط غير ضرورية".

"أنا طلعت في التليفزيون! شفتني؟ كنت هايل!" بالضبط مثل رد فعل "مارد وشوشني" لم أتمكن من السيطرة على حماسي حين رأيت ما أثمر عنه عملنا الدؤوب.

كانت رحلتنا شديدة التميز، بدءًا من العمل المباشر مع منتجي ومخرجي شركتي ديزني وتريجرفِش، وصولًا إلى الخبرة التي اكتسبناها والدروس التي استفدناها، وإن اشتملت الرحلة على تحديات أحيانًا، لكننا واجهناها بالشغف والإصرار. فقد تعاونت جميع الإدارات والفرق والأفراد معًا وأبدعت في إنتاج فيلم مشكلات الطوطم القصير، أحد أفلام المجموعة الإفريقية التي حملت عنوان كيزازي موتو.

يحدثنا أحمد عرفة، المخرج الفني للفيلم، عن هذه التجربة الثرية، قائلًا: “إن التخطيط الدقيق لكل صغيرة وكبيرة هو ما جعلها تجربة ناجحة ومميزة؛ فقد سهل علينا فريق الإنتاج كل شيء بفضل خططه الزمنية المنضبطة وقوائم المهام اليومية المحكمة، سمح لي هذا بالتركيز على الأمر الأهم: تصور الشكل النهائي للعمل".

عندما اختير أحمد مخرجًا فنيًا للفيلم، أدرك سريعًا أنه ليس بصدد مهمة سهلة، وأن عليه الاندماج في تلك البيئة الإبداعية الجديدة ومواكبة تطلعات ديزني العالية. وسعَّت طريقة عمل ديزني الدقيقة مداركنا على أساليب مختلفة ورؤى جديدة تمكنا بفضلها من الوصول إلى النتيجة النهائية المنشودة.

يضيف أحمد: "أدهشني ما أتيح لنا من حرية إبداعية؛ فقد توقعت أن تنفيذ فيلم يعرض على شبكة ديزني+ لن يمر دون رقابة وتحكم دائمين، لكن -في الواقع- كانت مهمة ديزني وتريجرفِش هي المساعدة، وإبداء الرأي والنصح. كانوا يصغون إلى ما نعرضه عليهم لضمان خروج عمل أصيل، بأقل قدر من التدخل".

وبصفته مخرجًا فنيًا للفيلم، كان على أحمد الاهتمام بكل ما هو بصري فيه، بدءًا من الألوان وأنماطها، وانتهاءً بأجواء الفيلم وانسيابيته. كما كان عليه إظهار ثقافة جنوب إفريقيا مع تجنب أي قولبة معتادة؛ من أجل صناعة شيء أصيل ومتفرد.

"كنا بحاجة إلى عرض عادات وأفكار ثقافية أصيلة دون الوقوع في فخ التصريح بها؛ وهكذا تمكنا من إنتاج تصميمات لها روح إفريقية وفي الوقت نفسه بدت جديدة ومستقبلية".

فن التصور

يهتم الجمهور بالمنتج الفني النهائي، أمَّا نحن المنتجون والمخرجون وفنانو التحريك، فنستمتع بمعرفة كواليس العمل، ورؤية مراحله تتشابك معًا لتشكل المنتج الفني النهائي.

"لم يكن أمتع ما في هذه الرحلة إنهاء الفيلم، بل مشاهدة اللقطات التركيبية الأولية، ودمج الخلفيات، وتحريك الشخصيات، وإضافة التأثيرات، ولحظة إدراك أننا بصدد إنتاج شيء جميل".

لكن لصناعة عمل بهذا الجمال، توجب علينا التأكد من إلمام كل فرد بمعايير التصميم وقدرته على الوصول إلى أقصى إبداع فني ممكن؛ فأحد أهم خطوات صناعة فيلم ممتع هو عرض القصة بتسلسل ينقل المشاهد بخفة وسلاسة بين أحداثها وتفاصيلها. أردنا أن تكون تجربة مشاهدة الفيلم مثل ركوب قطار الملاهي: مغامرة مليئة بالحماس والمتعة، تتخللها دفقات من الأدرينالين!

يحكي لنا عمرو شعلان، أحد رسامي مشاهد الفيلم (Storyboard Artist) عن تجربته، قائلًا: “عندما عرضت على تشبو أول رسومات المشاهد، كنت أتوق إلى سماع رأيها في المزحة الخفيفة التي أضفتها إلى أحد المشاهد رغم عدم ذكرها في سيناريو الفيلم، وكنت أتساءل ما إذا كانت ستعجبها إضافتي. فاجئتني بأنها لم تعجبها فقط، بل اعتمدت عليها لزيادة الجانب المرح لهذه الشخصية".

وبعدما قطعنا شوطًا في رسم مشاهد الفيلم، واجهنا تحديًا كبيرًا: ضرورة تقليص مدة عرض الفيلم. ظاهريًا، قد يبدو الفيلم الأقصر أسهل في التنفيذ، لكن الأمر يتطلب في الواقع تخليًا عن مزيد من العناصر التي صنعناها بحب.

“اضطررنا إلى حذف مشاهد وتتابعات، وحاولنا إعادة ترتيب الحوار لحكي نفس القصة بكلمات أقل".

بعبارة أخرى، جعلنا تتابع المشاهد مثل كوب إسبرسو: صغير وقوي المفعول! ولحسن الحظ ساعدتنا رسامة المشاهد الأوكرانية صوفيا زورسكا برؤيتها ومهاراتها في تحقيق ما نريد؛ صوفيا مثل اللاعب المحترف، يندمج بسهولة في أي فريق.

تتحدث صوفيا عن تجربتها في العمل مع الفريق قائلة: "أفضل ما في هذه التجربة هو التواصل مع الفريق؛ فالعمل عن بعد يشعرك بالاغتراب عن تجربة الاستوديو، إذ لا تشارك زملائك الوقت في مكان العمل، ولا تبني العلاقات معهم، ولا تخرج معهم بعد الدوام. لكن يمكنني القول إن چيرافيكس خلصتني من هذه اللعنة!".

أثرت الحرب الأوكرانية الروسية على مسار إنتاج الفيلم، وعلقت جميع الأنشطة. واجه فريق العمل تحديًا لمواصلة سير العمل، أما صوفيا فواجهت تحديًا أصعب؛ اضطرت صوفيا إلى الرحيل عن وطنها خلال مرحلة الإنتاج. رغم ذلك، أظهرت صوفيا التزامًا منقطع النظير وإصرارًا باهرًا ومهارة لافتة خلال عملها مع عمرو.

“شغلني العمل عن أهوال الحرب.. فوجودهم [أعضاء فريق چيرافيكس] معي وإنصاتهم ودعمهم لي ساعدني في حفظ تماسكي النفسي بحيث أمكنني إنهاء العمل. سأظل ممتنة على الدوام لفريق العمل، فأنا مؤمنة أن الشدائد تصنع روابطًا مميزة".

وبعد أن وضعنا الأسس لمسار القصة وحبكتها، جاء وقت التركيز على أبطال الفيلم. هنا، واجهنا تحديًا كبيرًا آخر: كيف نصور أفعال الشخصيات وتعبيراتها ودوافعها بما يناسب ثقافتها؟ نحن الجيل الجديد، أبناء العولمة ومواقع التواصل الاجتماعي، ندرك مشكلات الهوية وتعريف الذات، لذا أردنا تحدي ذلك بإنتاج شئ مؤثر يمس الجميع.

وتحدثنا منة حمدي، مساعدة المخرجة، عن هذا التحدي، قائلة: "فكرنا في طريقة تمكن فناني التحريك من عرض شخصيات حقيقية ومقنعة، وفي هذه المرحلة أسدى إلينا سيدني كومبو نصيحته القيمة: علينا استلهام الشخصيات من أشخاص حقيقيين نعرفهم، أو تأدية مشاهدهم بأنفسنا قدر المستطاع، أو إيجاد ممثلين يمثلون تلك الشخصيات".


تعبيرات ميمي

وهنا شرعنا -بمساعدة تشبو- في إعداد مكتبة للمشاعر والانفعالات والصراعات والحركات بناء على الواقع وعلى أمثلة حقيقية ملهمة.

وتضيف منة: "استغرقت مرحلة خلق كل شخصية نقاشات ممتدة وقرارات تفصيلية. وبعد تصميم الشخصيات، وجدنا أنفسنا أمام أفراد لا يشبهون الشخصيات المنشودة فحسب، بل يحملون سماتهم أيضًا بشكل متقن للغاية".

وبعدما تشربنا مئات الأمثلة المرجعية، بدأنا تصميم وضعيات الشخصيات المختلفة، وبذل المصممون وفنانو التحريك كل جهدهم لنقل رؤيتنا وتجسيدها في سياق القصة.

يمدنا المنتج يامن زكريا بمزيد من التفاصيل عن ذلك، إذ يقول: "احتاجت شخصياتنا إلى كم كبير من المراجع التمثيلية التي أمدتنا بها منة وتشبو، خاصة مع التصميم المعقد والرائع الذي كانت عليه. واحتاجت هذه العملية إلى عدد كبير من التجارب التي أجراها مخرج التحريك الرائع، برونو برازيل".

عمل برونو على توظيف فريق من فناني التحريك الموهوبين والقادرين على نقل رؤيته إلى الواقع، ويصف ذلك قائلًا: "بمساعدة تشبو، تمكنت من توجيه الفريق للوصول إلى نمط تحريك إفريقي أصيل يستوفي معايير شركة ديزني".

لكن هذا عمل قد يتطلب تغييرات مفاجئة، وتطويرات جديدة، وتعديلات دقيقة للتأكد من ملائمة كل شئ لرؤيتنا.

وعلى ذكر الشخصيات، يحدثنا عبد الله معتصم، قائد فريق تصميم الشخصيات (Lead Character Designer) قائلًا: "قررت في اللحظة الأخيرة إضافة تعديلات من وجهة نظري على جميع تصميمات الشخصيات وطلبت عرض تعديلاتي على فريق الإخراج. وقد ذهلت حين قابل الجميع الأمر بالترحاب! ولا أعني تعديلي للوضعيات فحسب، بل اتخاذي تلك المبادرة نفسها".

وبصفته قائدًا لفريق تصميم الشخصيات، أخذ معتصم على عاتقه مسؤولية -ومخاطرة- التوصل إلى نسخ أفضل، بحيث تأتي موافقة تمامًا لروح الفيلم. كما عمل معتصم على إتاحة مساحة إبداع لفريقه مكنتهم من صنع شئ يفخرون به.

“فجأة، تحولت مهمتي من مجرد الرسم إلى إدارة فريق وتحفيزه، ووضع المعايير والتأكد من اتباعها، وشرح رؤيتي بوضوح وفعالية، ومتابعة الإطار الزمني ومواعيد التسليم، إلى جانب مهام أخرى كثيرة كان علي تنفيذها بصفتي قائدًا للفريق". 

ورغم ن المسؤوليات، حصل معتصم وفريقه على دعم قوي من فريق الإنتاج سهل عليهم المهمة وأرشدهم وساعدهم حتى النهاية. ومع هذه التغيرات والتركيز الشديد على تفاصيل الشخصيات، اجتهدنا لضمان الاتساق بين جميع الجوانب، وقمنا بتجربة عدة أساليب قبل التوصل إلى الأسلوب الأفضل الذي حفظ للرسوم إحكامها وتناسقها.

تقول آية قنديل، مسؤولة التحريك المقتطع (cut-out animation): "أحببنا تصميمات الشخصيات، لكنها كانت على جمالها شديدة التفصيل. جربنا عدة أساليب قبل أن نصل للأسلوب المفضل، الذي يحفظ للرسومات تناسقها، ويظل ذا صلة بالشخصيات الرئيسية التي نفذت بالتحريك التقليدي".

لكن تحديد أنسب أسلوب للتحريك لم يكن مهمة فرد واحد. وقد كان فريق الإنتاج مستعدًا على الدوام للتعامل مع أي موقف أو تحدٍ، عبر التواصل المستمر، وإسناد المهام، واستخدام أدوات المتابعة، أو حتى التواجد لدعم الفريق نفسيًا.

وعن ذلك، يقول يامن: "لقد جمعت فريق إنتاج رائع، كان معي مريم خضر وشريف السيد وستيفاني دياس، وكنا جميعًا فرسان هذا العمل؛ عملنا على توفير بيئة عمل تمكن الفنانين من الانغماس كلية في العملية الإبداعية دون تشتت بسبب ميزانية أو مواعيد تسليم أو تفاصيل تقنية".

شخصيات فيلم "مشاكل الطوطم الأولى"

وضع العمل مع شركة بحجم ديزني عددًا من التحديات أمام فريق الإنتاج وجب عليهم مواجهتها خلال العملية الإنتاجية، بدءًا من التطوير البصري وتنفيذ التحريك إلى مشكلات الفنانين الشخصية وإرهاقهم. فكان على أعضاء فريق الإنتاج العمل كطبول حرب تضخ الحماس في قلوب الفريق وتشجعه على الدوام.

“تضمن العمل التأسيسي إنشاء أنظمة جديدة، مع اعتمادنا وتطويرنا آليات العمل المتبعة في چيرافيكس؛ فبالأخير، كل هذه العوامل مجتمعة تشكل آلة مصقولة ومتقنة، أتاحت لفنانينا إطلاق العنان لإبداعاتهم".

وهذا ما حققناه بالفعل، أبدعنا.

بعض أعضاء فريق عمل مشاكل الطوطم الأولى بمكتب چيرافيكس

حين اجتمعنا كلنا في الاستوديو أمام الشاشة نشاهد ما أنجزنا، امتلأنا فخرًا وسعادة بما نجحنا في إنجازه.

يحدثنا عبد الرحمن خضر، المدير التنفيذي لاستوديو چيرافيكس ومنتجه المنفذ، عن هذه اللحظة، قائلًا: "كنا فخورين بشدة أن كنا أول استوديو في الشرق الأوسط يتعاون مع شركة ديزني. سافرنا في عام 2019 إلى مهرجان أنسي للأفلام سعيًا للحصول على تمويل لإنتاج فيلم الليلة الكبيرة، وهناك التقينا بستيوارت فورست، المدير التنفيذي لشركة تريجرفِش. واتضح لنا في هذه اللحظة أننا نتشارك الرؤية والشغف".

وبالطبع، كان العمل مع شركتين بحجم ديزني وتريجرفِش تجربة فارقة في حياة كل فرد في چيرافيكس؛ فتاريخهما الغني وخبراتهما في مجال الرسوم المتحركة عرفنا بممارسات رائعة وأفكار فعالة ساعدتنا في التركيز على تطوير الشخصيات، وكتابة قصص مبهرة، ومد روابط عاطفية بيننا وبين مشاهدينا.

وأضاف عبد الرحمن: "كانت شراكتنا وتعاوننا مع شركة تريجرفِش تجربة ملهمة لأي استوديو في إفريقيا؛ فثقتهم بالاستوديوهات الإفريقية، ورغبتهم القوية في دعم مواهب القارة مصدر إلهام للجميع، وهذا ما تسعى مجموعة كيزازي موتو لتأصيله، وما أظهرت الشركة التزامها به، وبوعودها وقيمها".

وبعد هذه الرحلة المليئة بالاستكشاف والشغف والفن، نفتخر بأننا تعلمنا وعملنا وحققنا ما نفخر به. ونحن نؤمن بما نفعل، وفعاليته وتأثيره في كل من يشاهده. وما زلنا مستمرون في طريقنا، مستحضرين نصيحة فريق ديزني لنا في بداية العمل.

"نعم، توجد مواعيد للتسليم، وميزانيات مالية تحكمنا؛ لكن كل ذلك تدفعه رغبتنا في إمتاع المشاهدين، وهو ما لن نحققه دون أن نكون مستمتعين برحلة تنفيذ العمل، دون ضغوط غير ضرورية".

"أنا طلعت في التليفزيون! شفتني؟ كنت هايل!" بالضبط مثل رد فعل "مارد وشوشني" لم أتمكن من السيطرة على حماسي حين رأيت ما أثمر عنه عملنا الدؤوب.

كانت رحلتنا شديدة التميز، بدءًا من العمل المباشر مع منتجي ومخرجي شركتي ديزني وتريجرفِش، وصولًا إلى الخبرة التي اكتسبناها والدروس التي استفدناها، وإن اشتملت الرحلة على تحديات أحيانًا، لكننا واجهناها بالشغف والإصرار. فقد تعاونت جميع الإدارات والفرق والأفراد معًا وأبدعت في إنتاج فيلم مشكلات الطوطم القصير، أحد أفلام المجموعة الإفريقية التي حملت عنوان كيزازي موتو.

يحدثنا أحمد عرفة، المخرج الفني للفيلم، عن هذه التجربة الثرية، قائلًا: “إن التخطيط الدقيق لكل صغيرة وكبيرة هو ما جعلها تجربة ناجحة ومميزة؛ فقد سهل علينا فريق الإنتاج كل شيء بفضل خططه الزمنية المنضبطة وقوائم المهام اليومية المحكمة، سمح لي هذا بالتركيز على الأمر الأهم: تصور الشكل النهائي للعمل".

عندما اختير أحمد مخرجًا فنيًا للفيلم، أدرك سريعًا أنه ليس بصدد مهمة سهلة، وأن عليه الاندماج في تلك البيئة الإبداعية الجديدة ومواكبة تطلعات ديزني العالية. وسعَّت طريقة عمل ديزني الدقيقة مداركنا على أساليب مختلفة ورؤى جديدة تمكنا بفضلها من الوصول إلى النتيجة النهائية المنشودة.

يضيف أحمد: "أدهشني ما أتيح لنا من حرية إبداعية؛ فقد توقعت أن تنفيذ فيلم يعرض على شبكة ديزني+ لن يمر دون رقابة وتحكم دائمين، لكن -في الواقع- كانت مهمة ديزني وتريجرفِش هي المساعدة، وإبداء الرأي والنصح. كانوا يصغون إلى ما نعرضه عليهم لضمان خروج عمل أصيل، بأقل قدر من التدخل".

وبصفته مخرجًا فنيًا للفيلم، كان على أحمد الاهتمام بكل ما هو بصري فيه، بدءًا من الألوان وأنماطها، وانتهاءً بأجواء الفيلم وانسيابيته. كما كان عليه إظهار ثقافة جنوب إفريقيا مع تجنب أي قولبة معتادة؛ من أجل صناعة شيء أصيل ومتفرد.

"كنا بحاجة إلى عرض عادات وأفكار ثقافية أصيلة دون الوقوع في فخ التصريح بها؛ وهكذا تمكنا من إنتاج تصميمات لها روح إفريقية وفي الوقت نفسه بدت جديدة ومستقبلية".

فن التصور

يهتم الجمهور بالمنتج الفني النهائي، أمَّا نحن المنتجون والمخرجون وفنانو التحريك، فنستمتع بمعرفة كواليس العمل، ورؤية مراحله تتشابك معًا لتشكل المنتج الفني النهائي.

"لم يكن أمتع ما في هذه الرحلة إنهاء الفيلم، بل مشاهدة اللقطات التركيبية الأولية، ودمج الخلفيات، وتحريك الشخصيات، وإضافة التأثيرات، ولحظة إدراك أننا بصدد إنتاج شيء جميل".

لكن لصناعة عمل بهذا الجمال، توجب علينا التأكد من إلمام كل فرد بمعايير التصميم وقدرته على الوصول إلى أقصى إبداع فني ممكن؛ فأحد أهم خطوات صناعة فيلم ممتع هو عرض القصة بتسلسل ينقل المشاهد بخفة وسلاسة بين أحداثها وتفاصيلها. أردنا أن تكون تجربة مشاهدة الفيلم مثل ركوب قطار الملاهي: مغامرة مليئة بالحماس والمتعة، تتخللها دفقات من الأدرينالين!

يحكي لنا عمرو شعلان، أحد رسامي مشاهد الفيلم (Storyboard Artist) عن تجربته، قائلًا: “عندما عرضت على تشبو أول رسومات المشاهد، كنت أتوق إلى سماع رأيها في المزحة الخفيفة التي أضفتها إلى أحد المشاهد رغم عدم ذكرها في سيناريو الفيلم، وكنت أتساءل ما إذا كانت ستعجبها إضافتي. فاجئتني بأنها لم تعجبها فقط، بل اعتمدت عليها لزيادة الجانب المرح لهذه الشخصية".

وبعدما قطعنا شوطًا في رسم مشاهد الفيلم، واجهنا تحديًا كبيرًا: ضرورة تقليص مدة عرض الفيلم. ظاهريًا، قد يبدو الفيلم الأقصر أسهل في التنفيذ، لكن الأمر يتطلب في الواقع تخليًا عن مزيد من العناصر التي صنعناها بحب.

“اضطررنا إلى حذف مشاهد وتتابعات، وحاولنا إعادة ترتيب الحوار لحكي نفس القصة بكلمات أقل".

بعبارة أخرى، جعلنا تتابع المشاهد مثل كوب إسبرسو: صغير وقوي المفعول! ولحسن الحظ ساعدتنا رسامة المشاهد الأوكرانية صوفيا زورسكا برؤيتها ومهاراتها في تحقيق ما نريد؛ صوفيا مثل اللاعب المحترف، يندمج بسهولة في أي فريق.

تتحدث صوفيا عن تجربتها في العمل مع الفريق قائلة: "أفضل ما في هذه التجربة هو التواصل مع الفريق؛ فالعمل عن بعد يشعرك بالاغتراب عن تجربة الاستوديو، إذ لا تشارك زملائك الوقت في مكان العمل، ولا تبني العلاقات معهم، ولا تخرج معهم بعد الدوام. لكن يمكنني القول إن چيرافيكس خلصتني من هذه اللعنة!".

أثرت الحرب الأوكرانية الروسية على مسار إنتاج الفيلم، وعلقت جميع الأنشطة. واجه فريق العمل تحديًا لمواصلة سير العمل، أما صوفيا فواجهت تحديًا أصعب؛ اضطرت صوفيا إلى الرحيل عن وطنها خلال مرحلة الإنتاج. رغم ذلك، أظهرت صوفيا التزامًا منقطع النظير وإصرارًا باهرًا ومهارة لافتة خلال عملها مع عمرو.

“شغلني العمل عن أهوال الحرب.. فوجودهم [أعضاء فريق چيرافيكس] معي وإنصاتهم ودعمهم لي ساعدني في حفظ تماسكي النفسي بحيث أمكنني إنهاء العمل. سأظل ممتنة على الدوام لفريق العمل، فأنا مؤمنة أن الشدائد تصنع روابطًا مميزة".

وبعد أن وضعنا الأسس لمسار القصة وحبكتها، جاء وقت التركيز على أبطال الفيلم. هنا، واجهنا تحديًا كبيرًا آخر: كيف نصور أفعال الشخصيات وتعبيراتها ودوافعها بما يناسب ثقافتها؟ نحن الجيل الجديد، أبناء العولمة ومواقع التواصل الاجتماعي، ندرك مشكلات الهوية وتعريف الذات، لذا أردنا تحدي ذلك بإنتاج شئ مؤثر يمس الجميع.

وتحدثنا منة حمدي، مساعدة المخرجة، عن هذا التحدي، قائلة: "فكرنا في طريقة تمكن فناني التحريك من عرض شخصيات حقيقية ومقنعة، وفي هذه المرحلة أسدى إلينا سيدني كومبو نصيحته القيمة: علينا استلهام الشخصيات من أشخاص حقيقيين نعرفهم، أو تأدية مشاهدهم بأنفسنا قدر المستطاع، أو إيجاد ممثلين يمثلون تلك الشخصيات".


تعبيرات ميمي

وهنا شرعنا -بمساعدة تشبو- في إعداد مكتبة للمشاعر والانفعالات والصراعات والحركات بناء على الواقع وعلى أمثلة حقيقية ملهمة.

وتضيف منة: "استغرقت مرحلة خلق كل شخصية نقاشات ممتدة وقرارات تفصيلية. وبعد تصميم الشخصيات، وجدنا أنفسنا أمام أفراد لا يشبهون الشخصيات المنشودة فحسب، بل يحملون سماتهم أيضًا بشكل متقن للغاية".

وبعدما تشربنا مئات الأمثلة المرجعية، بدأنا تصميم وضعيات الشخصيات المختلفة، وبذل المصممون وفنانو التحريك كل جهدهم لنقل رؤيتنا وتجسيدها في سياق القصة.

يمدنا المنتج يامن زكريا بمزيد من التفاصيل عن ذلك، إذ يقول: "احتاجت شخصياتنا إلى كم كبير من المراجع التمثيلية التي أمدتنا بها منة وتشبو، خاصة مع التصميم المعقد والرائع الذي كانت عليه. واحتاجت هذه العملية إلى عدد كبير من التجارب التي أجراها مخرج التحريك الرائع، برونو برازيل".

عمل برونو على توظيف فريق من فناني التحريك الموهوبين والقادرين على نقل رؤيته إلى الواقع، ويصف ذلك قائلًا: "بمساعدة تشبو، تمكنت من توجيه الفريق للوصول إلى نمط تحريك إفريقي أصيل يستوفي معايير شركة ديزني".

لكن هذا عمل قد يتطلب تغييرات مفاجئة، وتطويرات جديدة، وتعديلات دقيقة للتأكد من ملائمة كل شئ لرؤيتنا.

وعلى ذكر الشخصيات، يحدثنا عبد الله معتصم، قائد فريق تصميم الشخصيات (Lead Character Designer) قائلًا: "قررت في اللحظة الأخيرة إضافة تعديلات من وجهة نظري على جميع تصميمات الشخصيات وطلبت عرض تعديلاتي على فريق الإخراج. وقد ذهلت حين قابل الجميع الأمر بالترحاب! ولا أعني تعديلي للوضعيات فحسب، بل اتخاذي تلك المبادرة نفسها".

وبصفته قائدًا لفريق تصميم الشخصيات، أخذ معتصم على عاتقه مسؤولية -ومخاطرة- التوصل إلى نسخ أفضل، بحيث تأتي موافقة تمامًا لروح الفيلم. كما عمل معتصم على إتاحة مساحة إبداع لفريقه مكنتهم من صنع شئ يفخرون به.

“فجأة، تحولت مهمتي من مجرد الرسم إلى إدارة فريق وتحفيزه، ووضع المعايير والتأكد من اتباعها، وشرح رؤيتي بوضوح وفعالية، ومتابعة الإطار الزمني ومواعيد التسليم، إلى جانب مهام أخرى كثيرة كان علي تنفيذها بصفتي قائدًا للفريق". 

ورغم ن المسؤوليات، حصل معتصم وفريقه على دعم قوي من فريق الإنتاج سهل عليهم المهمة وأرشدهم وساعدهم حتى النهاية. ومع هذه التغيرات والتركيز الشديد على تفاصيل الشخصيات، اجتهدنا لضمان الاتساق بين جميع الجوانب، وقمنا بتجربة عدة أساليب قبل التوصل إلى الأسلوب الأفضل الذي حفظ للرسوم إحكامها وتناسقها.

تقول آية قنديل، مسؤولة التحريك المقتطع (cut-out animation): "أحببنا تصميمات الشخصيات، لكنها كانت على جمالها شديدة التفصيل. جربنا عدة أساليب قبل أن نصل للأسلوب المفضل، الذي يحفظ للرسومات تناسقها، ويظل ذا صلة بالشخصيات الرئيسية التي نفذت بالتحريك التقليدي".

لكن تحديد أنسب أسلوب للتحريك لم يكن مهمة فرد واحد. وقد كان فريق الإنتاج مستعدًا على الدوام للتعامل مع أي موقف أو تحدٍ، عبر التواصل المستمر، وإسناد المهام، واستخدام أدوات المتابعة، أو حتى التواجد لدعم الفريق نفسيًا.

وعن ذلك، يقول يامن: "لقد جمعت فريق إنتاج رائع، كان معي مريم خضر وشريف السيد وستيفاني دياس، وكنا جميعًا فرسان هذا العمل؛ عملنا على توفير بيئة عمل تمكن الفنانين من الانغماس كلية في العملية الإبداعية دون تشتت بسبب ميزانية أو مواعيد تسليم أو تفاصيل تقنية".

شخصيات فيلم "مشاكل الطوطم الأولى"

وضع العمل مع شركة بحجم ديزني عددًا من التحديات أمام فريق الإنتاج وجب عليهم مواجهتها خلال العملية الإنتاجية، بدءًا من التطوير البصري وتنفيذ التحريك إلى مشكلات الفنانين الشخصية وإرهاقهم. فكان على أعضاء فريق الإنتاج العمل كطبول حرب تضخ الحماس في قلوب الفريق وتشجعه على الدوام.

“تضمن العمل التأسيسي إنشاء أنظمة جديدة، مع اعتمادنا وتطويرنا آليات العمل المتبعة في چيرافيكس؛ فبالأخير، كل هذه العوامل مجتمعة تشكل آلة مصقولة ومتقنة، أتاحت لفنانينا إطلاق العنان لإبداعاتهم".

وهذا ما حققناه بالفعل، أبدعنا.

بعض أعضاء فريق عمل مشاكل الطوطم الأولى بمكتب چيرافيكس

حين اجتمعنا كلنا في الاستوديو أمام الشاشة نشاهد ما أنجزنا، امتلأنا فخرًا وسعادة بما نجحنا في إنجازه.

يحدثنا عبد الرحمن خضر، المدير التنفيذي لاستوديو چيرافيكس ومنتجه المنفذ، عن هذه اللحظة، قائلًا: "كنا فخورين بشدة أن كنا أول استوديو في الشرق الأوسط يتعاون مع شركة ديزني. سافرنا في عام 2019 إلى مهرجان أنسي للأفلام سعيًا للحصول على تمويل لإنتاج فيلم الليلة الكبيرة، وهناك التقينا بستيوارت فورست، المدير التنفيذي لشركة تريجرفِش. واتضح لنا في هذه اللحظة أننا نتشارك الرؤية والشغف".

وبالطبع، كان العمل مع شركتين بحجم ديزني وتريجرفِش تجربة فارقة في حياة كل فرد في چيرافيكس؛ فتاريخهما الغني وخبراتهما في مجال الرسوم المتحركة عرفنا بممارسات رائعة وأفكار فعالة ساعدتنا في التركيز على تطوير الشخصيات، وكتابة قصص مبهرة، ومد روابط عاطفية بيننا وبين مشاهدينا.

وأضاف عبد الرحمن: "كانت شراكتنا وتعاوننا مع شركة تريجرفِش تجربة ملهمة لأي استوديو في إفريقيا؛ فثقتهم بالاستوديوهات الإفريقية، ورغبتهم القوية في دعم مواهب القارة مصدر إلهام للجميع، وهذا ما تسعى مجموعة كيزازي موتو لتأصيله، وما أظهرت الشركة التزامها به، وبوعودها وقيمها".

وبعد هذه الرحلة المليئة بالاستكشاف والشغف والفن، نفتخر بأننا تعلمنا وعملنا وحققنا ما نفخر به. ونحن نؤمن بما نفعل، وفعاليته وتأثيره في كل من يشاهده. وما زلنا مستمرون في طريقنا، مستحضرين نصيحة فريق ديزني لنا في بداية العمل.

"نعم، توجد مواعيد للتسليم، وميزانيات مالية تحكمنا؛ لكن كل ذلك تدفعه رغبتنا في إمتاع المشاهدين، وهو ما لن نحققه دون أن نكون مستمتعين برحلة تنفيذ العمل، دون ضغوط غير ضرورية".